الفوضى المتنقلة تغرق السودان
السودان يغرف في الفوضى… وتزايد عمليات السرقة والسلب
كتبت مي علي في صحيفة “الأخبار” اللبنانية: مع أن الهدنة المعلنة في السودان صمدت نسبياً لمدة ثلاثة أيام، إلا أنها لم تمنع تمدد حالة الاقتتال والانفلات الأمني في أنحاء البلاد، ولا سيما في العاصمة الخرطوم وولاية غرب دارفور، حيث بدأت تفرّخ المجموعات التي تكب السلاح بين أيدي المواطنين
حالة تشي بأن السيناريوات الأكثر قتامة لم ينزح بعد، على رغم انفتاح نافذة للتفاوض، ولا يزال من غير الواضح ما يمكن أن تفضي إليه، في ظل تضارب مواقف أطراف النزاع وتبدلها، ومحافظتهم على السلبية عينها تجاه بعضهم البعض
وفي خضم هذا التخبط، يزداد الوضع الإنساني كارثية، ولا سيما مع تصدر تجار الأزمة المشهد، ومحاولتهم استغلال الوضع بصورة أدت سريعاً إلى فقدان أغلب المواد الأساسية من الأسواق
وشهدت الخرطوم في اليوم الثالث والأخير من الهدنة السارية هدوءاً حذراً، لكن مدينة الجنينة في ولاية غرب دارفور سجلت فيها عمليات اقتتال قبلي، بعدما استغلت جهات لا تزال مجهولة، الوضع الأمني الهش في الولاية، وقامت بمد المواطنين بالسلاح، ما أدى إلى حدوث حالة من الفوضى والانفلات الأمني، قبل أن يدعو زعماء قبيلتين إلى وقف إطلاق النار
وفيما يخشى من اتساع رقعة الاقتتال القبلي في بقية مناطق الولاية، وتالياً دخول البلاد في حالة اقتتال أهلي، ثمة مؤشرات تعزز إمكانات تحقق هذا السيناريو بالفعل، أبرزها غياب جهاز الشرطة بشكل كامل منذ بدء المعارك، وهو ما نجم عنه ارتفاع في نسبة الجريمة والسرقة والنهب
واضطر بعض المواطنين، إزاء عمليات السرقة، إلى الاحتماء بقوات الدعم السريع التي تتمركز في داخل الأحياء، لحمايتهم من المجموعات المتفلتة المنتشرة خصوصاً في العاصمة الخرطوم
ويثير الغياب الكامل للشرطة بكل أفرعها تساؤلات كثيرة، وخصوصاً في ظل انتشار كثيف لمجموعات يطلق عليها “نقيرز”، متخصصة في السلب والنهب تحت تهديد السلاح، إذ إن القانون يخولها المشاركة في عملية الاقتتال جنباً إلى جنب القوات المسلحة متى دعت الحاجة
في غضون ذلك، أكد الجيش السوداني، في بيان أمس، أن الموقف العسكري داخل الخرطوم وخارجها مستقر جداً، عدا ولاية غرب دارفور التي شهدت صراعاً قبلياً تجري معالجته بواسطة السلطات المحلية، مضيفاً أن الأيام القادمة ستشهد انفراجاً كبيراً في الأوضاع على الأرض
وأشار الجيش إلى أن قواته بسطت سيطرتها على معظم الولايات، متحدثاً عن وضع معقد في بعض أحياء العاصمة، نتيجة الانتشار الكثيف لقوات الدعم السريع فيها
ومع تراجع وتيرة الاشتباكات، بدا كأن الفرصة باتت سانحة أمام حل سلمي، إذ أبدى قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، بحسب وزير خارجية جنوب السودان، موافقة مبدئية على المبادرة التي ترعاها منظمة “إيغاد”، وتتضمن تمديد الهدنة الحالية لـ72 ساعة أخرى، وإيفاد ممثل واحد عن القوات المسلحة وآخر عن الدعم السريع إلى جوبا للتفاوض حول تفاصيل المبادرة
لكن بعض المراقبين حذروا من حصر أي مبادرة لحل الأزمة السودانية بالمكون العسكري بشقيه، الجيش والدعم السريع، وإبعاد المدنيين، مشددين على أن جهود الوساطة القائمة حالياً بين العسكريين يجب أن تتركز فقط على وقف إطلاق النار، فيما المفاوضات الرامية إلى وضع حلول سياسية ينبغي إشراك المدنيين فيها
مع ذلك، يبدو أن ظروف التفاوض لم تنضج بعد كلياً، إذ نفت وزارة الخارجية السودانية ما جرى تداوله عن موافقة البرهان على الجلوس مع حميدتي خارج السودان، مؤكدة عدم صحة ما تروج له بعض الجهات بهذا الخصوص، معتبرة أنه لا خيار أمام المتمردين إلا الاستسلام أو الفناء
في هذا الوقت، وفي ظل غياب أجهزة الدولة، سارعت فئة من التجار إلى استغلال الأزمة التي تمر بها البلاد، ما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع التموينية والمواد البترولية والخبز، وفقدان أغلب المواد الأساسية
كذلك زاد انقطاع المياه، في معظم أحياء الخرطوم ولا سيما في مدينة بحري، من الصعوبات في حياة المواطنين، الذي أجبروا على البقاء في منازلهم تحت القصف
وظهر استغلال حاجة الناس بصورة جلية خلال عمليات إجلاء المواطنين الفارين إلى مناطق أكثر أمناً، إذ ضاعف أصحاب المركبات أسعار تذاكر السفر بأكثر من 200 بالمئة، وسط صعوبة في توفير النقد، وخصوصاً أن رواتب معظم موظفي الدولة لم تصرف بعد
وفي الموازاة، يتزايد الاحتيال على المسافرين، فيما تعاني مئات الأسر العالقة منذ أيام عند معبر أرقين الحدودي مع مصر، نقصاً حاداً في في المياه والغذاء