لماذا يزداد قلق تل أبيب من سقوط النظام الإيراني
تشهد العلاقة بين إسرائيل وإيران مرحلة غير مسبوقة من التعقيد، لا بسبب تصاعد القوة الإيرانية فقط، بل بسبب احتمال تراجعها وانزلاقها نحو الفوضى
فبينما طالما رفعت تل أبيب شعار إضعاف النظام الإيراني أو تغييره، تبدو اليوم أكثر حذرًا تجاه سيناريو انهياره المفاجئ، في ظل احتجاجات داخلية متزايدة واضطراب واضح في مراكز القرار داخل طهران
المعادلة التي تواجهها إسرائيل لم تعد بسيطة
إيران القوية تمثل تهديدًا مباشرًا، لكن إيران المنهكة أو المنفلتة قد تكون تهديدًا أخطر، خصوصًا في ظل امتلاكها ترسانة صاروخية متقدمة، ومخزونًا حساسًا من اليورانيوم عالي التخصيب، وبنية عسكرية معقدة يصعب ضبطها في حال غياب السلطة المركزية
قلق أمني من فوضى السلاح والقرار
تكشف التقديرات الأمنية أن إسرائيل تتابع عن كثب التطورات الداخلية في إيران، ليس بدافع التعاطف مع الحراك الشعبي، بل خوفًا من التداعيات الأمنية لانهيار محتمل في منظومة الحكم
فالسيناريو الأكثر إثارة للقلق في تل أبيب لا يتمثل في بقاء النظام الإيراني، بل في فقدانه السيطرة على أخطر أصوله الاستراتيجية
تتخوف إسرائيل من أن تؤدي الفوضى السياسية إلى انفلات منصات الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، أو فقدان السيطرة على مخازن اليورانيوم عالي التخصيب، ما قد يفتح الباب أمام تهريب هذه المواد، أو استخدامها بشكل غير منضبط من قبل أطراف داخلية أو خارجية
وفي هذه الحالة، يصبح التهديد غير قابل للاحتواء أو الردع التقليدي
وتشير تحركات عسكرية ملحوظة داخل إيران، خاصة حول مواقع إطلاق الصواريخ، إلى حالة توتر مرتفعة
هذه التحركات، التي بدأت قبل موجة الاحتجاجات الأخيرة، تسارعت بشكل لافت، ما دفع إسرائيل إلى رفع مستوى التأهب، خشية أن تتحول الاضطرابات الداخلية إلى قرار عسكري مفاجئ أو خطأ في التقدير
معضلة التصعيد والحذر في الحسابات الإسرائيلية
من وجهة النظر الإسرائيلية، هناك عدة دوافع قد تدفع طهران نحو التصعيد
أولها الرغبة في استعادة الردع بعد الضربات التي ألحقت أضرارًا بالبنية النووية والصاروخية الإيرانية، والتي اعتُبرت ضربة معنوية وعسكرية عميقة
هذا الجرح، بحسب التقديرات، لا يزال حاضرًا في حسابات القيادة الإيرانية
الدافع الثاني يتمثل في محاولة تصدير الأزمة إلى الخارج. فبعض أجنحة النظام قد ترى في المواجهة مع إسرائيل فرصة لإعادة توحيد الجبهة الداخلية، عبر خلق عدو خارجي وتحفيز حالة الالتفاف الوطني، حتى وإن كان هذا التأثير مؤقتًا
أما الدافع الثالث، والأكثر حساسية، فهو هاجس الضربة الاستباقية. إذ تخشى إيران أن تستغل إسرائيل حالة الاضطراب لتوجيه ضربات جديدة تستهدف ما تبقى من قدراتها العسكرية، ما قد يدفع طهران إلى تبني منطق المبادرة أفضل من الانتظار
في المقابل، تتبنى القيادة الإسرائيلية خطابًا أكثر حذرًا مما اعتادت عليه. فداخل إسرائيل، هناك إدراك متزايد بأن أي تصعيد واسع قد يأتي في توقيت غير مناسب، في ظل استنزاف أنظمة الدفاع الصاروخي، وتعقيدات المشهد الإقليمي، وعدم وضوح حدود الدعم الخارجي في حال اندلاع مواجهة شاملة
خطر بقاء النظام أم خطر سقوطه
في أروقة الاستخبارات الإسرائيلية، ينقسم التقدير حول مستقبل إيران
تيار يرى أن النظام سيتجه إلى تشديد قبضته الأمنية، ما يعني مرحلة طويلة من الاستقرار القسري
وتيار آخر يحذر من سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في انتفاضة شاملة تفقد فيها الدولة قدرتها على السيطرة، دون وجود بديل سياسي واضح أو موحد
في الحالتين، تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة استراتيجية معقدة
فهي تستطيع التعامل مع خصم واضح المعالم، لكنها تواجه صعوبة كبرى في التعامل مع دولة مسلحة بلا مركز قرار
وهكذا، يتحول السؤال الجوهري من هل يسقط النظام الإيراني؟ إلى سؤال أكثر خطورة
من يسيطر على الصواريخ والمواد النووية إذا سقط؟
وحتى تتضح الإجابة، سيبقى القلق في تل أبيب حاضرًا، وستظل إيران، بقوتها أو بضعفها، عاملًا حاسمًا في رسم ملامح أمن المنطقة بأكملها